العز بن عبد السلام

17

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز )

كذلك لقيل صفّى . وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله وهو غلط ؛ لأنه لو كان كذلك لقيل : صفوى ، وقيل نسبة إلى صوفة بن بشر بن أد بن طانجة ، قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم ، ينسب إليهم النساك . وهذا وإن كان موافقا للنسب من جهة اللفظ . فإنه ضعيف أيضا ؛ لأن هؤلاء غير مشهورين ، ولا معروفين عند أكثر النساك ، ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى . ولأن غالب من تكلم باسم " الصوفي " لا يعرف هذه القبيلة ، ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة في الجاهلية لا وجود لها في الإسلام . وقيل : وهو المعروف - أنه نسبة إلى لبس الصوف ؛ فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة ؛ وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد وعبد الواحد من أصحاب الحسن ، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ، ما لم يكن في سائر أهل الأمصار ، ولهذا كان يقال فقه كوفي ، وعبادة بصرية . وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف ، فقال : إن قوما يتخيرون الصوف ، يقولون إنهم متشبهون بالمسيح بن مريم ، وهدى نبينا أحب إلينا ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يلبس القطن وغيره ، أو كلاما نحوا من هذا . ولهذا غالب ما يحكى من المبالغة في هذا الباب بإنما هو عن عباد أهل البصرة ، مثل حكاية من مات وغشى عليه في سماع القرآن ونحوه كقصة زرارة بن أوفى قاضى البصرة فإنه قرأ في صلاة الفجر فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ « 1 » فخر ميتا . وكقصة أبى جهير الأعمى الذي قرأ عليه صالح المرى فمات ، وكذلك غيره ممن روى أنهم ماتوب باستماع قراءته .

--> ( 1 ) [ سورة المدثر : اية 8 ] .